أحمد بن محمد القسطلاني

440

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

التحديث والعنعنة والقول ، وشيخ المؤلّف تنيسي ، والليث مصري وابن شهاب وشيخه مدنيان ، وفيه : رواية تابعي عن تابعي عن صحابي ، وأخرجه أيضًا في : الجنائز ، وكذا الترمذي ، وقال : صحيح . والنسائي وابن ماجة . 1344 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا " . [ الحديث 1344 - أطرافه في : 3596 ، 4042 ، 4085 ، 6426 ، 6590 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ، قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ، قال ( حدّثني ) بالإفراد ( يزيد بن أبي حبيب ) المصري ، واسم أبيه سويد ( عن أبي الخير ) يزيد بن عبد الله اليزني ( عن عقبة بن عامر ) بضم العين وسكون القاف ، الجهني ، رضي الله عنه . ( أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، خرج يومًا ، فصلّى على أهل أحد ) الذين استشهدوا في وقعته ، في شوّال سنة ثلاث ( صلاته على الميت ) بنصب صلاته ، أي : مثل صلاته على الميت زاد : في غزوة أحد ، من طريق حيوة بن شريح ، عن يزيد : بعد ثمان سنين ، كالمودّع للأحياء والأموات ، لكن في قوله : بعد ثمان سنين تجوّز ، لأن وقعة أحد كانت في شوّال سنة ثلاث ، كما مر . ووفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وحينئذ فيكون بعد سبع سنين ودون النصف فهو من باب : جبر الكسر . والمراد أنه ، عليه الصلاة والسلام ، دعا لهم بدعاء صلاة الميت ، وليس المراد صلاة الميت المعهودة ، كقوله تعالى : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 103 ] والإجماع يدل له ، لأنه لا يصلّى عليه عندنا ، وعند أبي حنيفة ، المخالف لا يصلّى على القبر بعد ثلاثة أيام . فإن قلت : حديث جابر لا يحتج به لأنه نفي ، وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها في خبر الإثبات . أجيب : بأن شهادة النفي إنما تردّ إذا لم يحط بها علم الشاهد ، ولم تكن محصورة . وإلاّ فتقبل بالاتفاق . وهذه قضية معينة ، أحاط بها جابر وغيره علمًا . وأما حديث الإثبات فتقدم الجواب عنه ، وأجاب الحنفية : بأنه تجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت ، والشهداء لا يتفسخون ، ولا يحصل لهم تغير ، فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان . وأول أبو حنيفة الحديث في ترك الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم ، وقلة فراغه لذلك ، وكان يومًا صعبًا على المسلمين ، فعذروا بترك الصلاة عليهم يومئذ . وقال ابن حزم الظاهري : إن صلي على الشهيد فحسن ، وإن لم يصل عليه فحسن ، واستدلّ بحديثي جابر وعقبة ، وقال : ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر ، بل كلاهما حق مباح ، وليس هذا مكان نسخ لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة . ( ثم انصرف إلى المنبر ) ولمسلم ، كالمؤلّف في المغازي : ثم صعد المنبر كالمودعّ للأحياء والأموات ( فقال : إلي فرط لكم ) بفتح الفاء والراء ، هو : الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء ، ونحوهما . أي : أنا سابقكم إلى الحوض ، كالمهيئ له لأجلكم . وفيه إشارة إلى قرب وفاته عليه الصلاة والسلام . وتقدمه على أصحابه ، ولذا قال : كالمودع للأحياء والأموات ( وأنا شهيد عليكم ) أشهد عليكم بأعمالكم ، فكأنه باق معهم لم يتقدمهم ، بل يبقى بعدهم حتى يشهد بأعمال آخرهم ، فهو عليه الصلاة والسلام قائم بأمرهم في الدارين ، في حال حياته وموته . وفي حديث ابن مسعود عند البزار ، بإسناد جيد ، رفعه : حياتي خير لكم ، ووفاتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شرّ استغفرت الله لكم ( وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ) نظرًا حقيقيًّا بطريق الكشف ( وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، أو مفاتيح الأرض ) شك الراوي ، فيه إشارة إلى ما فتح على أمته من الملك والخزائن من بعده ( وإني والله أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ) أي : ما أخاف على جميعكم الإشراك ، بل على مجموعكم ، لأن ذلك قد وقع من بعض ( ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيهم ) بإسقاط إحدى تاءي : تنافسوا ، والضمير : لخزائن الأرض ، المذكورة ، أو للدنيا ، المصرح بها في مسلم كالمؤلّف في المغازي ، بلفظ : ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها ، والمنافسة في الشيء الرغبة فيه ، والانفراد به . ورواة هذا الحديث كلهم مصريون ، وهو من أصح الأسانيد ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، والتحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا : في : علامات النبوة ، وفي : المغازي ،